عرب وعالم

04:33 مساءً EET

غلق عشرات البنوك وتسريح آلاف الموظفين في #لبنان

في مواجهة الانهيار المستمر منذ عامين، يعمل القطاع المصرفي الذي كان يعد فخر الاقتصاد اللبناني على إعادة تنظيم ذاته بتسريح آلاف الموظفين وإقفال عشرات الفروع، في خطوة تسبق التوافق على خطة إنقاذ مع صندوق النقد الدولي.

طيلة عقود، شكل القطاع المصرفي ركيزة رئيسية للاقتصاد. وتمكن من جذب الودائع ورؤوس الأموال، من المستثمرين العرب أو المغتربين الذي رأوا في مصارف بلدهم ملاذاً آمناً. وبلغت قيمة الودائع الإجمالية في ذروتها أكثر من 150 مليار دولار قبل عام من أزمة 2019، وفق تقديرات رسمية.

لكن المشهد تغيّر كلياً على وقع الانهيار الاقتصادي الذي صنّفه البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ 1850، وفرض المصارف لقيود مشددة على السحب بالدولار ومنع التحويلات الى الخارج، ما جعل ذلك المودعين عاجزين عن التصرف في أموالهم بالدولار، بينما فقدت الودائع بالليرة قيمتها مع انهيار العملة المحلية في السوق السوداء.

وشهدت قاعات الانتظار في المصارف في العامين الماضيين سجالات متكررة بين غاضبين راغبين بالحصول على ودائعهم، وموظفين ملتزمين بتعليمات إداراتهم. وانعدمت الثقة تدريجياً في القطاع المصرفي الذي تراجع نشاطه ليقتصر على عمليات بسيطة خاصةً السحب بالليرة.

ولمجابهة الواقع، لجأت المصارف، وفق ما قالت جمعية المصارف الى “تقليص حجمها مجبرة، للتكيف مع الأوضاع الاقتصادية المستجدة”.

وانخفض، وفق الجمعية، عدد الفروع المصرفية من 1081 في نهاية 2018 الى 919 فرعاً في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، أي بنسبة 15%. كما تقلّص عدد الموظفين في الفترة ذاتها من 25908 موظفين إلى نحو 20 ألفاً، أي بنسبة 23 %.

وانخفضت محفظة التسليفات للقطاع الخاص المقيم وغير المقيم من 59 مليار دولار في نهاية 2018 إلى 29.2 مليار دولار (وفق سعر الصرف الرسمي) في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

وتعتبر الجمعية أن “التطورات المالية خلال السنتين الماضيتين في ظل استمرار التلكؤ في إيجاد حلول فرضت واقعاً جديداً على الاقتصاد ومؤسساته ومواطنيه”.

في وقت الذروة، بلغ حجم القطاع المصرفي ثلاثة أضعاف الناتج الإجمالي المحلي، وكان معدل نموه يعادل ثلاثة أضعاف معدل نمو الاقتصاد. ووسعت مصارف كبرى نطاق عملها إلى خارج لبنان وصولاً إلى أوروبا، وإفريقيا.

وقدمت فروع 63 مصرفاً في لبنان فوائد عالية لجذب المودعين. وفضل كُثر في السنوات القليلة التي سبقت الأزمة إيداع أموالهم وتعويضاتهم في المصارف، بدل استثمارها طمعاً في هذه الفوائد. كما قدمت تسهيلات لمروحة واسعة من القروض، بدءاً من السكن مروراً بشراء السيارات والسفر، وصولاً إلى عمليات التجميل.

ويقول الخبير المصرفي جان رياشي: “لم تعد البنوك اللبنانية تمارس أنشطتها المصرفية تقريباً، لذا فهي مضطرة إلى تقليص عملياتها”، موضحاً أن “معظم عائدات المصارف ارتبطت بفوائد جنتها من الدولة والبنك المركزي” مقابل الديون التي منحتها للدولة اللبنانية.

ويحمل كثيرون المصرف المركزي مسؤولية السياسات النقدية طيلة عقود باعتبار أنها راكمت الديون، لكن حاكم المصرف المركزي رياض سلامة يقول إن الدولة هي التي صرفت الأموال.

ويرى المحلل الاقتصادي باتريك مارديني، أن المصارف باتت عبارة عن “مصارف زومبي”، وهي تسمية غالباً ما تطلق على المصارف التي يتدخل البنك المركزي لإبقائها على قيد الحياة.

ويعتبر أن الحكومة الحالية “تبدو مهتمة بتنظيف ميزانيات المصارف” أكثر من إعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وتشكل إعادة الهيكلة أحد البنود الإصلاحية الرئيسية كان في 2019 في المرتبة الثانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعدد الفروع المصرفية لكل مئة ألف شخص، وفق البنك الدولي.

وقدرت الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي حجم الخسائر المالية بـ69 مليار دولار. ولم يعلن رسمياً بعد كيف ستوزع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف، وسط خشية المودعين من الاقتطاع من ودائعهم.

وجاء في خارطة طريق أعلن صندوق النقد الدولي في 11 فبراير (شباط) عرضها على لبنان، أن “حجم الخسائر غير المسبوق في القطاع المالي يجب أن يعالج بطريقة شفافة، مع حماية صغار المودعين”.

ويقول رئيس جمعية المصارف سليم صفير إن لبنان أشبه بـ”بلد متروك”، وسط تقاعس السلطات التي لم تقدم على أي “تحرّك فعلي” خلال عامين من الأزمة، سوى التخلف في 2020 عن سداد ديونها الخارجية للمرة الأولى.

وتعتبر جمعية المصارف أن “أي إعادة هيكلة للقطاع خارج إطار خطة إنقاذية حكومية شاملة لن تؤدي الى النتائج المرجوة”.

وكانت إعادة الهيكلة أحد بنود خطة إنقاذ أقرتها الحكومة السابقة، فيما يبدو المشهد ضبابياً اليوم لتطبيقها.

وقال حاكم المصرف المركزي رياض سلامة في وقت سابق إن المصارف تعمل حالياً على إعادة تنظيم نفسها وفق قدراتها، على أن يستمر بموجب عملية إعادة الهيكلة “المصرف القادر على التسليف”.

لكن في الشارع، ما يقلق اللبنانيين ليس معرفة هوية المصارف التي ستستمر إنما مصير ودائعهم العالقة.

ويقول هشام، متحفظاً عن ذكر اسمه الكامل، وهو رجل أعمال علقت وديعته بالدولار في أحد المصارف: “أريد استعادة مدخراتي بأي ثمن”.

ويضيف بانفعال “وضع القطاع المصرفي غير مفهوم وعلى كل الأطراف المعنية أن تتحمل مسؤولياتها في هذه المحنة”.

التعليقات