كتاب 11

11:51 صباحًا EEST

بلا سجادة حمراء

الرئيس بلا سجادة حمراء بالقانون والممارسة؛ والشباب مبطلون ومقاطعون كانوا فرامل لطائرة تحميها من فرص اختطافها او تعرضها لحادث هبوط مفاجئ، وكما حرر السيسى الوطن من قبضة تنظيم الإخوان، حرر الناخبون الرئيس من قبضة أصحاب المصالح ورجال الاعمال؛ ومن هنا سيكون إقلاع طائرة الوطن المنتظر رمزيا، إقلاع الى…وإقلاع عن …الإقلاع الى مستقبل افضل وتحليق فى مدارات أعلى والإقلاع عن .. يشبه الاقلاع عن التدخين، وتدخين طائرة الوطن هو الحمولة الزائدة من أنظمة سابقة فشلت، وعواجيز فشلوا من قبل، لابد من إنزالهم من الطائرة. هذا هو جوهر المقال بشكل ملخص وتبيان تفصيله يأتى لاحقا.

اولا الرئيس بلا سجادة حمراء. رغم أن اكثر من 25 مليون صوت جاء به الى سدة الحكم،  إلا أن الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى لن يدخل القصر على سجادة حمراء، ولن تكون هناك سجادة حمراء لمعاونيه من الوزراء والمستشارين. انتهى عهد السجادة الحمراء من خلال الصندوق ومن خلال قراءة واقعية لما جرى فى ثلاثة أيام من الانتخابات، كانت فيها الحملات تجر الناس جرا من بيوتها الى صندوق الانتخاب، وكثير من الشعب كان مبطيء الخطى. لا سجادة حمراء ولا شيك على بياض، هذا هو معنى الحماس الزائد عند البعض،  والتلكؤ عند البعض الآخر،  والمقاطعة عند عدد غير قليل، وخصوصا قطاع الشباب،  وإبطال الأصوات فى حالة أكثر من مليون مواطن.

لا أكتب هذا المقال لتأكيد خلاف أو اختلاف، ولكننى اكتب بشيء من النضج يليق باللحظة لكى ننتقل من حالة الزفة البلدى الى عشاء عقلاء القوم، او ما يسمه الغربيون عشاء رابطة العنق السوداء. ومن مراهقة الثورة الى رشد الدولة.

لا سجادة حمراء للرئيس بحكم الدستور الذى قلل من صلاحيات الرئيس عن سابقيه من رؤساء مصر. ولا سجادة حمراء بحكم الممارسة التى حدد سقفها الرئيس الحالى عدلى منصور، فأى رئيس قادم لا يستطيع ان يبتعد كثيرا عن سلوك عدلى منصور ويصبح مقبولا لدى الناس. فالرئيس بحكم القانون de jure  وبحكم الممارسة السابقة de facto أصبح اقل. ومعه بالتبعية تقل هالة الوزير والغفير. فبعد ثورتين اصبح المواطن هو الملك. من يخدمه ويلبى طلباته يلاقى القبول والاستحسان ومن لا يخدمه سيجد الرفض والاستنكار.

بداية النضج السياسى هو الحديث عما يتحرج البعض من الحديث عنه. أولها هو تلك النغمة التى سادت فى الأيام الثلاثة للانتخابات والتى تخون من قاطعوا الانتخابات أو من أبطلوا أصواتهم، وتم اتهام الشباب بعدم الوطنية حتى ان البعض طالب بسحب الجنسية المصرية منهم، وكأن موضوع الجنسية هذا «لعبة» وليس جوهر الوطن ومحتواه، فالجنسبة المصرية هبة الطبيعة المصرية التى لا ينزعها نازع ايا كان إلا فى حالات محدودة يحددها القانون وهى نادرة وليست من طبيعة المصريين فوق كل هذا. بكل فهم ووعى وثقة أقول إن الشباب الذين شاركوا مشاركة سلبية قدموا للوطن خدمة جليلة وهى وضع فرامل لطائرة تريد الانطلاق بلا فرامل مما قد يؤدى الى احتراقها لحظة الارتطام بالأرض. طائرة  يرغب الكثيرون فى اختطافها فى الجو أو حتى على الارض قبل الإقلاع. طائرة المشير السيسى المتأهبة للانطلاق والإقلاع كانت تحتاج الى هذه الفرامل. والشباب قدموا هذه الخدمة الوطنية التى لم تكن خيانة بل مشاركة من نوع جديد، رسالتها الأولى هى « مفيش شيك على بياض». اكتب هذا وانا الذى يدعى اننى من أوائل من طالبوا أيامها الفريق أول عبدالفتاح السيسى بتقدم الصفوف والترشح للرئاسة يوم كان البعض يتحسسون الخطى « رجل ورا ورجل قدام». ولم أتراجع عن تأييدى الرجل ولكن بفرامل وليس بشيك على بياض من اجله ومن اجل مصر. أتمنى ألا نبالغ فى تخوين الشباب حتى لا نقسم الوطن جيليا، اى ان هناك جيلا وطنيا وآخر غير وطني، مثل هذا السلوك لا يكسر العمود الفقرى للوطن بل يقطع نخاعه الشوكى ويصيب الوطن بشلل تام. للسيسى حق علينا ، حيث حررنا من قبضة تنظيم تجاوز المصرية وأراد ان يعبث بالخريطة الجينية للوطن وهويته، ونحن لنا حق عليه الآن  كرئيس وليس كفرد بأننا استطعنا ان نفك أسره من اصحاب المصالح ورجال المصالح الخاصة والأعمال من خلال الخروج للانتخابات وما قبله من خروج تفويض وخروج 30 يونيو.

كلنا نتمنى ان تقلع طائرة الوطن، فالفشل ليس خيارا هذه المرة، ففشل السيسى فيه فشل للدولة برمتها، ولكن للإقلاع شروطا وقواعد، وأول هذه الشروط من يركب فى قمرة قيادة هذه الطائرة؟ طاقم القيادة لابد ان يكون متجانسا وكما يقول اهل الشام « اللى يجرب المتجرب عقله مخرب» فهناك من جربناهم فى الحكم من قبل وفشلوا فلا داعى لتجريبهم مرة اخرى. فهذا ما يسمى بالشنط الزيادة أو الوزن الزائد فى السفر. ولا داعى لوجود من كانوا فى المشاهد السابقة ان يكونوا فى المشهد الجديد لسببين أولهما الحياء.  اى ان الناس تستحيى وتتقهقر الى الوراء حتى لا تلوث المشهد. وثانيهما اننا جربناهم وفشلوا وليست وظيفتنا ان نبحث عن وظائف عامة لأناس بعينهم. وأتمنى ان تكون لدى السيسى الجرأة ان يقول لكل الناس فوق السبعين سنة شكرًا لكم، ويقنعهم بتكوين جمعيات أهلية يمارسون فيها هواياتهم .

لدى أمل كبير فى ان يكون خطاب الرئيس القادم هو خطاب يجسر الهوة بين جيل من العواجيز الذين يصرون على تصدر المشهد، وبين السواد الأعظم من الشباب الذين يمثلون ثقل الأمة الحقيقي.  شبابنا ليس كاملا حتى لا تأخذنا الرومانسية الثورية، شبابنا نتاج 30 عاما من التعليم المتخلف وسلوكه الغاضب نتيجة لهذا الجهل فهم ضحية ولا يستطيعون الصمود أكثر من 18 يوم ثورة يناير أو الثلاثة ايام الخاصة بثورة 30 يونيو . شبابنا يحتاج الى اعادة تأهيل ولكنه بجينات المصريين احيانا يعبر عنا فى حالات حرجة . خطاب الرئيس السيسى لابد ان يكون جامعا، يوحد ولا يفرق، يجمع ولا يبعثر،  ويبعث على الأمل ويؤكد للجميع ان رسائل الشعب قد وصلت، وانه يدرك انه لا سجادة حمراء هناك، وان الطائرة لها فرامل وأنها لن تطير بالمعدات القديمة، وأننا جميعا شركاء فى بناء وطن جديد بدماء جديدة ودستور جديد وسلوكيات جديدة وليعدنا الرئيس بما هو ممكن حتى لا نكون مثله ضحية لتوقعات مبالغ فيها ينتهجها اهل الهوى فى الفضائيات ولكنها غير قابلة للتنفيذ على الارض.

نتمنى لرئيسنا الجديد كل التوفيق وان يدخل القصر بجلال يليق بمصر وليس بزفة بلدى قد يبررها البعض على انها جوهر المصريين، رغم كل ما هو منصوب من أهرامات ومعابد تؤكد اننا لم نكن أبدا حضارة الزفة البلدى بل حضارة أنيقة عالية وجادة رسمت الخطوط الاولى لتقدم الانسانية.

التعليقات