كتاب 11

03:08 مساءً EET

مفاجأة قيس!

ليس معروفاً على وجه التحديد متى ظهر وصف «الاستثناء التونسي» في التحليلات السياسية، ولكنه بات تشخيصاً ملائماً ومناسباً جداً للكثير من السياسات والمواقف والأحداث التونسية منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي، وصولاً للمشهد السياسي الحالي. فالمجاهد الأكبر كما كان يلقب بطل الاستقلال الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، كان متأثراً جداً بالقيم الحقوقية والحريات المكفولة لنموذج الدولة المدنية في فرنسا، وكان لا يغفل عن ذهنه في الوقت نفسه الإرث التاريخي المهم لبلد انطلقت منه اجتهادات القيروان والزيتونة مقدمة للعالم الإسلامي بأسره نموذجاً مثالياً لفقه المقاصد.
هذا المناخ القديم الجديد هو الذي ولد وقدم للعالم نماذج فكرية وثقافية مستنيرة من تونس الخضراء مثل ابن خلدون، والطاهر بن عاشور، وهشام جعيط، وألفة يوسف. كانت للحبيب بورقيبة آراء مستنيرة وجريئة سبقت أوانه وعصره بكثير، ركز فيها على الجوانب المدنية للدولة، فاهتم بالحقوق والعدالة الاجتماعية والحريات وتساوي الفرص بين الرجل والمرأة في المجتمع، وانعكس ذلك بالإيجاب على سوق العمل والتنمية الاقتصادية والسلم الأهلي بشكل عام، فتحولت المؤسسة العسكرية إلى كيان يحمي الدولة والدستور لصالح الشعب، ونمت نماذج مختلفة لمؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات المتخصصة، وتكونت نواة جيدة لصحافة مستقلة، بالإضافة إلى حراك برلماني خجول لكنه متطور.
لكن الحبيب بورقيبة وقع ضحية الحاشية المحيطة به، فشاخ الحاكم وشاخ نظامه معه، ليأتي من بعده وزير داخليته زين العابدين بن علي، حاملاً لواء وقميص الحبيب ليكمل مسيرته في براغماتية مثيرة للاهتمام، ليروج للناس أنه ما هو إلا استمرارية لحكم الحبيب، بينما أدرك الكثير من المقربين من الرئيس الأسبق بورقيبة من أمثال الرئيس الراحل قايد السبسي، أنه أبعد ما يكون عن بورقيبة.
وحدثت أول أحداث «الربيع العربي»، ورحل بن علي وجيء بمنظومة جديدة على الحكم، ولكن «التوانسة» استشعروا بوجود محاولة خطيرة لخطف روح بلادهم، وبدلاً من إعادتها إلى مشروع الدولة المدنية، إذا ببعض المجاميع تحاول الذهاب بالدولة نحو مشروع أصولي متطرف مدعوم بالمال والعتاد والإعلام والعلاقات الدبلوماسية. ولتأكيد هذا التحول المهول والخطير في حالة «الاستثناء التونسي»، ذهل العالم بمعرفة وجود أكثر من خمسة آلاف مقاتل تونسي في سوريا مع الفرق الإرهابية يمارسون أبشع أنواع القتل والترويع ضد السوريين، وتبقى هذه المعلومة مفزعة لكونها آتية من تونس بلد الوسطية والتعايش، ولكنها كانت دلالة بالغة الأهمية عن التغيير الحاد الذي أصاب روح تونس وقلبها.
تحدثت في الأيام الأخيرة مع عدد غير قليل من التونسيين من مشارب وخلفيات مختلفة، لأفهم منهم رأيهم فيما قام بعمله الرئيس قيس بن سعيد، من قرارات جريئة ومفاجئة بحق الحكومة والمجلس النيابي، فوجدت من معظمهم إجماعاً على أن قرارات الرئيس التونسي هي لإنقاذ الدولة من محاولة خطفها. الرئيس قيس بن سعيد، وهو الأستاذ المتخصص في القانون، قام باتخاذ القرارات التي قام بها بحسب قراءته وتفسيره لروح المادة الثمانين من الدستور التونسي. هذا ليس انقلاباً بأي شكل من الأشكال، فهو لا يشبه أبداً النموذج الذي حصل في أميركا الجنوبية، تحديداً في تشيلي، في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من عام 1973، عندما قام الجنرال بينوشيه بانقلاب على السياسي اليساري المنتخب سلفادور الليندي، بدعم مباشر من وكالة المخابرات المركزية، وقال وقتها وزير الخارجية الأميركي معلقاً على الحدث: «لا يمكن السماح لتشيلي أن تتحول لدولة ماركسية فقط لكون شعبها غير مسؤول بالقدر الكافي».
الاستثناء التونسي الناتج عن حضارات تراكمية وثقافات مجتمعة عبر قرون من الزمان، الذي تفاعل مع أديان وشعوب عبر المتوسط وعبر القارات، هو الذي يعود إلى المشهد العام وبشكل تلقائي وطبيعي. الدولة المدنية مشروع جميل وحلم رائع بدأه الحبيب بورقيبة لإيمانه التام بأن دولة المؤسسات، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحق الإنسان بالعيش في حرية وكرامة، هي النواة لتكوين المجتمعات السوية وتأمين السلم الأهلي التام والقضاء الاستباقي على معظم أسباب التهديد والقلق والخوف.
نجاح الاستثناء التونسي، وتحقيق حلم الدولة المدنية فيها، مطلب مستحق لشعب كريم، وأفضل ما يمكن عمله هو تفهم هذه الرغبة واحترامها التام.

التعليقات