كتاب 11

12:41 صباحًا EET

التعديلات الدستورية المصرية – مسبباتها وأبعادها

كنت على يقين كامل بأن الشعب المصري سيكون فيضاناً متدفقاً مع إنطلاق حملة الاستفتاء على التعديلات الدستورية 2019، لا لأمر سوى أنه شعب أثبت منذ 30 يونيو بأنه لن يسمح لكائن من كان المساس بمصر وتقدمها أو الاستيلاء عليها كما فعل تنظيم الإخوان الإرهابي لعام كامل، وهذا ما حدث على أرض الواقع، وشاهده العالم على جميع وسائل التواصل الإجتماعي والقنوات الفضائية والصحافة والتي حاول المغرضون والحاقدون ودعاة الإرهاب والفتن، أن يغضوا طرف أعين العالم عن ذلك الفيضان والشعب المصري عن الإدلاء بأصواتهم، سواءً بعمل هاشتاقات فارغة أو تكثيف حلقات بث الضلال والكذب عبر فضاء الإعلام الذي سلكوه بعيدين عن أصول الإعلام ورسالته الحقيقية.

وفي هذه العجالة، يجب علينا أن نستدرك ونعي، بأن التعديلات الدستورية التي حدثت في مصر منذ أيام، لم تكن خارج منظومة العمل الرسمي والتنظيمي للبلاد.

فالدساتير وإن كانت لها هيبتها وقدسيتها، فسنظل قدسية محدودة بأطر معينة، لا تسمح بالمساس بها هنا، وتأمر بالمساس بها هناك، وذلك من حيث إخضاعها للتعديلات بل وحتى الاستثناءات إن لزم الأمر واقتضت الضرورة ذلك.

ولنا في تعديلات دساتير جميع دول العالم خير دليل، فلم يترك دستور واحد في جميع بلاد العالم إلا وخضع للتعديل الذي اقتضته الضرورة أو مجريات الحياة. فما كان صالحاً في عام 1900 للميلاد لابد أن تكون بعض بنوده غير صالحة بعد عشرين أو ثلاثين سنة، مما يستوجب المراجعة وإجراء التعديلات اللازمة عليه.

إن الحياة وتطوراتها المتلاحقة والمتسارعة منذ بداية العصر الحديث، كانت وراء تلك التعديلات لتسيير عجلة الحياة بما يخدم المواطن من جهة، وما ينظم أعمال الحكومة من جهة ثانية، لكون أن الدستور سيظل بمصابة العقد والإتفاق المبروم بين الحكومة والشعب. ولذلك يكون حال هذا العقد حال بقية العقود تجارية أو خدمية أو ما شبه من أنواع في العقود والإتفاقيات، التي لابد من مراجعتها بين فترة وأخرى وتعديلها بما يخدم الطرفين.

وقد يقول قائل أن الدستور الحالي وضع عام 2013 واستفتي عليه، فلم تجرى تلك التعديلات ولم يمضِ عليه سوى سنوات معدودة؟ وللإجابة على ذلك، لابد لنا أن ننظر إلى عدة أمور، أولها الفترة والظروف التي وضع فيها الدستور، والشعب المصري قد انتفض في 30 يونيو لإنقاذ مصر من براثم تلك السنة السوداء التي حكم بها الأخوان مصر.

وثانيها ما خلفته تلك السنة من كوارث مالية وتنظيمية وسياسية واجتماعية ومجتمعية، بل وامتداد ذلك حتى الوصول إلى الكوارث الإعلامية والأمنية، والتي لا تزال تعاني منها مصر وحربها على الإرهاب. وثالثها ما تستدعيه الظروف الحالية من ضرورة استمرار ذات القيادة على سدة الحكم والإدارة لتمكينها من مواصلة ما بدأته من خطط إنقاذ ثم تلاها خطط إنعاش سريع، لتنتقل بعدها إلى خطط التنمية المتسارعة للنهوض بمصر، دون أن نغفل عما تعرضت له مصر من العديد من دول العالم آنذاك وكان على رأسها ما نهضت به الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وتركيا وقطر وإيران وغيرها، والتي وقفت في وجه ثورة 30 يونيو لكونها جاءت ماحية للمخططات التي كانت قائمة بالإتفاق مع تنظيم الاخوان الإرهابي الذي وصلت إلى قرب بيع الكثير من الأراضي المصرية، وما حدث آنذاك من مواقف سيظل التاريخ يحفظها للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومعهما العديد من الدول العربية، والتي نستذكر منها خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله في السادس عشر من أغسطس 2013 والتي كان مما جاء فيه، أن الإعتداء على مصر هو إعتداء على العروبة والإسلام وعلى المملكة العربية السعودية بشكل مباشر، وتكليفه يرحمه الله لعميد الدبلوماسية العالمية صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل يرحمه الله من القيام بواجب الأخوة والزيارات المكوكية التي لف بها العالم من أجل وضع الحدود اللازمة لتلك العداءات التي وجهت لمصر في ذلك الوقت.

خرجت مصر من براثم الإرهاب الإخواني، وأقامت دستورها بشكل عاجل، تحت كل تلك الضغوط والمؤثرات، بما يخدم مصالح الوطن آنذاك، ولا هدف لها سوى إنتشال مصر مما كانت فيه. لذلك جاءت التعديلات الدستورية 2019 بعد هذه السنوات الست، لتتوافق وتتماشى مع ما وصلت إليه مصر خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة، وما أفرزته هذه السنوات من أعمال بطولية بدأت منذ تولي فخامة الرئيس الأسبق عدلي منصور ثم تولي فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي أخذ على عاتقه قيادة التصحيح والتعديل والإنقاذ لوطنه على مدار الساعة، حتى أصبحت اليوم وبعد هذه السنوات القصيرة فيما وصلت إليه من جعل حلم مئات المشاريع التي وعد بها الرئيس السيسي حقيقة على أرض الواقع، ومحاربته للإرهاب الذي تقلص بشكل كبير جداً عما كان عليه في 2013 بعد زوال حكم تنظيم الإخوان الإرهابي.

جاءت التعديلات هذه الأيام لتزيد من مشاركة المرأة والشباب وغيرهم في بناء مصر، وبالعديد من التنظيمات التي تتطلبها الفترة الحالية بعد عودة إستقرار مصر والتي كان منها، تعيين نائب لرئيس الجمهورية، وتحديد صلاحيات بعض الجهات الرسمية، وما بينته مصر في تعديلات دستورها.

إن الأمل معقود، بعد ظهور نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والثقة بها كبيرة، بأنها ستكون أدوات تخدم المصلحة المصرية داخلياً وخارجياً، بما في ذلك تمكين القيادة الحالية ممثلة في فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي من استمرار عمله بقيادة هذه المشاريع العملاقة داخلياً وخارجياً والتي انطلقت في مصر وتحقق المئات منها وأصبحت على أرض الواقع من جهة، وما وصلت إليه مصر على المستوى الدولي من حيث إعادتها للمكانة الصحيحة التي عبث بها تنظيم الإخوان الإرهابي، فأعادها الرئيس السيسي لما كانت عليه من مكانة مرموقة كانت وستظل محط إحترام الجميع.

كلمة أخيرة سبق لي أن قلتها وأكررها للتأكيد على ذلك، بأن التعديلات الدستورية المصرية الحالية والمستقبلية، تظل شأناً مصرياً بحتاً، لكون ذلك الدستور هو الإتفاق والعقد القائم بين الشعب المصري والحكومة المصرية، مما يعني أن أي تدخل فيه أو تعليق بسوء أو انتقاد أو محاولة للنيل منه، فإن ذلك يعد تدخلاً سافراً في شأن داخلي مصري بحت، ليس لأي جهة أو كيان أو فرد الحق فيه، وإنما يظل الحق الكامل محصوراً للحكومة المصرية والشعب المصري. مع التأكيد على أن ما قدمته في مقالي هذا، يظل وجهة نظر شخصية وتحليل لأبعاد وأسباب تلك التعديلات ليس لها أدنى إرتباط في التدخل بالشأن المصري من قريب أو من بعيد، ولذلك جاء مقالي هذا بعد أن قال الشعب المصري كلمته، حتى لا يحسب علي أن ما جاء فيه كان تدخلاً إيجابياً أو سلبياً للتصويت على تلك التعديلات أو حتى دفعاً لها.

حفظ الله مصر وقيادتها وشعبها وأمنها وجيشها من كل سوء وشر وأذى وبلاء، وأدام على تحالفنا العربي العظيم السعودي المصري الإماراتي البحرين، وبقية الأوطان العربية الشريفة، دوام الأخوة والعزة والتعاضد والترابط، وحفظ أوطاننا بعينه التي لا تنام.

 

التعليقات