آراء حرة

01:06 مساءً EET

ناصر بن تركي يكتب: سيكولوجية السياسة القطرية تجاه المملكة السعودية

منذ انقلاب الشيخ حمد على والده وتوليه مقاليد الحكم تم اختطاف قطر من الواقع لتعيش عقلية التفوق البائدة، هذه العقلية التي تحلم بالخلافة وتؤمن بالمحرمات بالمفهوم السلفي المتشدد والتي طالما عانت منها الأمة، وأثبتت التجارب أن هذه مجرد أحلام وأن محاولة إعادة الماضي ضرب من ضروب الخيال مهما حاولنا بعث الروايات التي يقال أنها تُنسب للرسول والتي تبشر بالخلافة وزعامة الأمة عالمياً من جديد.

هذه العقلية ليست مشكلة حكومة قطر بمفردها وإن كانت قطر هي الباعث القوي لهذه العقلية مع حكومة أردوغان، إلا أن الجماعات الإسلاموية تتفق مع قطر في هذا الجانب وأولها جماعة الإخوان والقاعدة وبوكو حرام وداعش والسلفيين بشكل عام. تتجسد هذه العقلية في اعتبار المملكة العربية السعودية المعيار للإسلام وعليه لا يحق للمملكة عمل ما تقوم به معظم الدول التي تعيش فيها تلك الجماعات، والحالة أكثر وضوحاً مع قطر لأن هذه العقلية تتجلى في الحكومة وتصرفاتها وهذا ما يجعل الصورة أكثر وضوحاً للمراقب وإن كانت غامضة عند باقي الجماعات.

حكومة قطر ترى أن من حقها فتح سفارة او قنصلية لدولة إسرائيل وتقوم أمام الملأ باستقبال رئيس وزرائها ليلتقي به الرجال والنساء في استقبال حميمي، ولكنها تغضب إذا ما سمعت عن تعاون أمني أو لقاء سياسي بين المملكة السعودية وإسرائيل، فالسعودية بلد الحرمين ولا يحق لها ان تخون الأمة وتطبع مع المحتل، هذا من جانب، ولو نظرنا من جانب اخرى فقطر تفتخر امام العالم ب انفتاحها على الآخر وتفتخر بافتتاح الكنائس والمعابد لتظهر نفسها بالمظهر الحسن أمام العالم بينما لو فكرت الجارة الكبيرة ان تفتح ولو مكان للصلاة للمقيمين والعاملين المسيحيين ف ستُسلط عليها قناة الجزيرة لكي تتهمها بالخيانة لتعاليم الإسلام، لأنه مرة أخرى وفق العقلية التي تحدثنا عنها هي دولة حاضنة للحرمين.

هذه العقلية تنفضح في الملف العسكري فعندما كانت القوات الأمريكية في السعودية لم تُبقي قناة الجزيرة وشيخها البليونير “أسامة بن لادن” أي لفظ خادش للمرؤة العربية والأخوة الإسلامية إلا ورموا به الشقيقة الكبرى والغريب أن هذه القوات عندما خرجت بعد تلك الحملة العدوانية اتجهت الى قطر وعندها صمتت الأصوات التابعة لتلك العقلية.

حاولت السعودية احتواء الخلاف السياسي مع قطر وطالبتها مرارا بالكف عن هذه التصرفات العدوانية تجاهها وتجاه الدول الشقيقة ولكن في كل مرة تخون قطر المواثيق والعهود فكان على السعودية أن تتخذ موقفاَ حازماَ من قطر أولاً ومن باقي الجماعات الاسلاموية التي تتبنى هذه العقلية التي تكيل بمكيالين، ولذلك قامت السعودية بالوقوف في وجه نظام المرشد في مصر وباركت الثورة المصرية عليه كخطوة اولى لاعادة الامور الى نصابها وفضح هذه العقلية التي لم تجلب للأوطان المجاورة إلا الدمار والتهجير، كانت الخطوة الثانية والأهم هي مقاطعة قطر لكي تمنع وصول المال المغذي لهذه العقلية التي انتشرت كالسرطان في جسد الأمة.

المضحك في كل هذا أن السعودية من أكثر الدول التزاما بالقيم الإسلامية والأخلاق العربية الأصيلة من جميع هذه الدول والجماعات وخصوصا قطر وتركيا، فلا يوجد في السعودية خمور وبارات ونوادي ليلية كما لا يوجد فيها معابد وكنائس كباقي الدول المجاورة ولا تسمح ببيع لحوم الخنزير، ولا وجود لقوات أجنبية على أراضيها، ومع هذا مازالت تلك الدول ترى أن السعودية مُفرّطة لأنها تعقد الصفقات مع الدول العظمى وتلك الدول حسب مفهوم هذه العقلية دول مسيحية ويهودية وهؤلاء لن يرضوا عنا بنص القرآن، قال تعالى “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” و الآية: قال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”

نعم ياسادة آيات القرآن العظيمة التي نزلت على رسولنا الكريم قبل أكثر من 1400 والتي تحدثت عن فئة من اليهود والنصارى عاصرت النبي وخانت العهود المبرمة مع المسلمين أصبحت هي المعيار الذي نقيس به علاقتنا مع كل اليهود والنصارى فإذا كان هذا فعل اجدادهم فبالتأكيد هم على شاكلتهم وفق هذه العقلية، ولكن الذي يغفل عنه اتباع هذه العقلية وخصوصا دولة قطر وجماعة الإخوان ومن لف لفهم من السلفيين أن العالم المعاصر قد تجاوز الدول الدينية إلى الدول الرأسمالية التي تحركها المصلحة الاقتصادية لا الدين كما كان في الماضي، حيث أصبح الدين شأن فردي في المجتمعات ومحمي من الدولة المتحضرة فترى الجامع بجانب المعبد بجانب الكنيسة والدولة ملزمة بحماية رعاياها مهما كانت عقائدهم، والذي يغفل عنه أتباع هذه العقلية أيضا أن الذّم الذي أورده القرآن كان بسبب خيانتهم وعدوانهم ولم يكن بسبب عقيدتهم لأن القرآن أثنى على دينهم ولامهم على عدم اتباعهم رسلهم وبشّر المنتمين الصادقين منهم بالنجاة، قال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ” فالقضية ليست عرقية ولا عقائدية بل اخلاقية او بمعنى اخر إجرامية لأن الخيانة جريمة إنسانية وفي نفس الوقت جريمة بحق تعاليم الله مهما كانت العقيدة ف المشكاة واحدة وكل الملل التوحيدية من عند الله وهذا ما فعله خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام مع اليهود والنصارى حينما هاجر للمدينة وكتب صحيفته المشهورة.

 

التعليقات