مصر الكبرى

09:42 مساءً EET

الأقباط المصريون مواطنون لا رعايا

 
أحمد عثمان
يحاول أتباع الإسلام السياسي الذين يطالبون بإقامة دولة دينية إسلامية في مصر, طمأنة المسيحيين بقولهم إنهم سيعاملونهم كاهل ذمة في بلادهم, خلافا لقواعد المواطنة. والمواطنة تعبير حديث, يعني أن يتساوى المواطنون في الدولة بعضهم مع بعض في الحقوق والواجبات, بصرف النظر عن دينهم وعقيدتهم, وبصرف النظر على كونهم من الرجال أو النساء, وبصرف النظر عن كونهم ينتمون إلى أية طبقة أو فئة في المجتمع, غنية أو فقيرة. فالمواطنة تعني أن يساوي المجتمع بين أفراده جميعا, دون تفرقة فئوية أو حزبية أو طبقية. فكلنا مصريون, ولسنا في حاجة إلى المزيد في التعريف بأنفسنا أو المزايدة على واجباتنا تجاه الوطن وحقوقنا فيه.
   وعلى الرغم من أن الدين بالنسبة إلى شعوب الشرق الأوسط, وبالأخص مصر, هو الدافع والمحرك الرئيسي لعجلة الحياة اليومية منذ عهد الفراعنة, إلا أن صوت الوطن لم يقف يوما أمامه حائل. وتتمز مصر بعدم وجود اختلافات عرقية أو دينية كثيرة بها, فحتى اختلاف العقيدة مقترن بوحدة في الأصل والجذور. لذلك فمن السهل التفاعل مع قضية المواطنة, لأنها حياة يومية معاشة لا تحتاج إلى الكثير من المصطلحات الأيديولوجية لوصفها أو تعريفها.
   ويعتبر محمدعلي باشا بحق هو مؤسس الدولة المصرية الحديثة, رغم كونه – هو نفسه – غير مصري المولد. فمصر هي أقدم دولة ذات حكومة مركزية تكونت في التاريخ, بدأت منذ عصر الملك مينا الذي وحد الأرضين حوالي 3100 سنة قبل الميلاد. وبعد حوالي ثلاثة آلاف عام من حكم الملوك الفراعنة, سقطت مصر تحت سيطرة الرومان سنة 30 قبل الميلاد. واعتبر الرومان أن الأرض المصرية صارت ملكية خاصة للإمبرطور, يديرها نيابة عنه حاكم يرسله إلى الإسكندرية. وعلى هذا لم يعد المصريون مواطنين في دولتهم, بل صاروا رعايا للإمبراطورية الرومانية. ومنذ ذلك التاريخ فقدت الدولة المصرية وجودها ككيان سياسي مستقل, وأصبحت مصر مجرد إقليم روماني يدفع الضرائب, ويطعم روما من خيرات أرض وادي النيل. فلم تعد هناك حكومة مصرية ولم يعد هناك جيش مصري, فالحكومة أصبحت رومانية والجيش أصبح رومانيا وطبقة الملاك والأغنياء صاروا من الرومان أو ممن يستخدمهم الرومان لمعاونتهم, وإنحصر دور الرعايا المصريين  في زراعة الأرض ودفع الضرائب.  
  وعندمل وصل عمرو بن العاص إلى مصر في 640 وتمكن من هزيمة الروم البيزنطيين, انتقلت البلا  إلى سلطة الدولة العربية الإسلامية في المدينة المنورة. وظل الوضع السياسي لمصر في ظل الدولة العربية الإسلامية على نفس الحال الذي كان عليه أيام الرومان, حيث ظل المصريون بعيدا عن السلطة السياسية وبعيدا عن الجيش, وكانت مهمتهم الرئيسية هي زراعة الأرض ودفع الضرائب. ثم انتقلت عاصمة الدولة الإسلامية من المدينة إلى دمشق في عهد الدولة الأموية و إلى بغداد في أيام الدولة العباسية. بعد ذلك خضع الإقليم المصري للطولونيين والإخشيديين ثم للدولة الفاطمية وبعدها للدولية الأيوبية, قبل أن يسقط في النهاية في قبضة البكوات المماليك. ورغم أن مصر أصبحت بمثابة مركزا رئيسيا لكل من الأيوبيين والمماليك, لكنها مع ذلك لم تصبح دولة مصرية لا في حكامها ولا في جيشها, حيث ظلت مهمة الشعب المصري هي زراعة الأرض ودفع الضرائب. وفي النهاية سقطت مصر تحت سيطرة الدولة العثمانية التي دامت سيطرتها حوالي ثلاثة قرون من الزمان.
  وبعد حوالي ألف وثمانمائة عام من فقدان مصر لكيانها السياسي وهويتها التاريخية, جاء محمد علي باشا ليخرجها من نظاق إمبرطورية آل عثمان, ويعيدها لتكون دولة ذات كيان مستقل وهوية قومية محددة. وعاد المصريون شعبا وأمة في دولتهم بعد أن كانوا رعايا لدولة أخرى, ولم يعد الأقباط ذميون كما كانوا فى الدولة العثمانية, بل صاروا مواطنين في الدولة المصرية الجديدة. ومنذ ذلك التاريخ تكون جيشا من المصريين, الذين عادوا كذلك – بشكل تدريجي – لتولي المناصب الحكومية والإدارية العليا في البلاد. كما جاءت ثورة 1919 التي قادها سعد زغلول,‏ لتؤكد أن المواطنة هي أساس بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة‏, وحصل المصريون على دستور سنة 1923 الذي نظم ممارسة الحياة السياسية في البلاد, وانتخاب برلمان يتولى تشريع القوانين ومراقبة أعمال الحكومة.  
   وظهرت فكرة المواطنة مع عودة الدولة المستقلة وظهور فكرة القومية المصرية, فالمواطنة تعني انتماء الأفراد إلى كيان سياسي موحد, وتساويهم في الحقوق والواجبات داخل هذا الكيان. فالمواطنة تشير في معناها القانوني إلي أحد أركان الدولة الحديثة وهو‏ "الشعب‏",‏ الذي يتكون من مجموعة الأفراد الذين تمارس مؤسسات الدولة ولايتها عليهم ويخضعون لقوانينها‏.‏ ومن ثم‏,‏ فإن حدود الجماعة السياسية المصرية تتماثل مع حدود المواطنة المصرية‏,‏ ويشارك فيها المصريون دون سواهم‏.‏ ولهذا نشأ الارتباط الوثيق بين مبدأ المواطنة وفكرة تكافؤ الفرص والحقوق المتساوية,‏ فلا مواطنة بدون مساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن الدين والمذهب والنوع والأصل‏,‏ وهذا هو جوهر المادة ‏40‏ من الدستور المصري ‏الحالي.‏
   ولا شك أن الزعيم المصري الذي إستطاع أن يذيب الحساسيات بين المسلمين والأقباط هو سعد زغلول, الذي حقق هذا التآخي بين عنصري الأمة المصرية. كانت سنوات ما قبل ثورة 1919 – ما بين سنة 1906 و1910 – من أسوأ السنين فيما يتعلق بتأزم العلاقة بين المسلمين والأقباط. فخلال تلك الفترة تأزمت العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها بشكل لم يسبق له مثيل, نتيجة لسياسات الإحتلال البريطاني. وكان سعد زغلول خلال هذه السنوات وزيراً في احكومات التي تعاقبت على حكم البلاد, إبتداء من وزارة مصطفى فهمي الأخيرة (1906-1908) ووزارة بطرس غالي (1908-1910) ثم وزارة محمد سعيد منذ 1910وحتى إستقالة سعد زغلول سنة 1912. خلال تلك السنوات أتيح له أن يراقب الأزمة ويقف على طبيعتها. أدرك سعد زغلول أن مبادرة الأغلبية بكفالة الشعور بالأمان لدى الأقلية هو الطريق الصحيح لحل الأزمة. فعمل سعد زغلول خلال ثورة 1919, على تحويل فرقاء الأمس القريب إلى رفاق في الثورة من أجل الوطن. وبينت أحداث الثورة مظاهر الوحدة الوطنية في الحركة المشتركة للأقباط والمسلمين, حيث كانت القيادة الوطنية –بزعامة سعد زغلول- واعية منذ البداية بأهمية هذه الوحدة, التي باركها ودعمها الشعب كله. "ولعل أروع ما أبرزته هذه المظاهرة الكبرى (في 17 مارس 1919 ) هو هذه الظاهرة التي سيطرت على الأحداث من اللحظة الأولى، وهي ظاهرة التضامن الوثيق بين المسلمين والأقباط بعد أن تصور الإنجليز أنهم نجحوا في التفرقة بين عنصري الأمة، فإذا بالمفاجأة وكم لثورة 1919 من مفاجآت، تظهر كيف ساد التلاحم بين المصريين في لحظة وأصبحت الكلمة التي تتردد على الشفاه "الدين لله والوطن للجميع" وظهرت الأعلام في هذه المظاهرة الكبرى وقد رسم عليها الصليب مع الهلال". (موسوعة تاريخ مصر, لأحمد حسين, الجزء الرابع, صفحة 1567)
    وخلال سنوات الكفاح الوطني ما بين 1919 و1924 كان سعد زغلول محاطا برفاق مخلصين, من بينهم أقباط مشهورين مثل واصف غالي وويصا واصف وسينوت حنا وفخري عبد النور وجورجي خياط ومرقص حنا ومكرم عبيد. وعندما ألقي الإنجليز القبض على سبعة من رفاق سعد زغلول كان من بينهم أربعة أقباط, حاكمتهم سلطات الإحتلال وأصدرت حكماً بإعدامهم في 11 أغسطس 1922, وهم: حمد الباسل، ويصا واصف، مرقص حنا، واصف بطرس غالي، علوي الجزار، جورجي خياط، مراد الشريعي. وعندما ربح سعد أول إنتخابات حقيقية في تاريخ مصر وألف أول وزارته في يناير 1924؛ عين سعد وزيرين قبطيين في الوزارة التي كانت تتكون من تسعة وزراء, وهما مرقص حنا وواصف غالي. من هذا يتبين أن سعد زغلول كان يعمل على إلغاء التعصب عن طريق إشاعة روح الوطنية المصرية وبث روح الإطمئنان بين الأقباط وجعلهم جزءا من حزبه. كان المرشح القبطي يرشح في دوائر كلها مسلمين فيتم انتخابه بصرف النظر عن ديانته. عندئذ تواجد الأقباط تواجدا فعالا على الساحة السياسية سواء أكان في البرلمان بمجلسيه، النواب والشيوخ، أو في مجالات الإعلام والفكر والثقافة والصحافة وكافة وظائف الدولة القيادية وغير القيادية.
   كانت ثورة 1919 مثالا على الوحدة الوطنية التي أفرزت شعارات مثل "الدين لله والوطن للجميع" و "عاش الهلال مع الصليب". وشارك الأقباط في الحياة السياسية بقوة وجرى انتخاب ويصا واصف رئيسا لمجلس النواب في البرلمان. وكفل دستور 1923 المساواة في الحقوق لكل المصريين بصرف النظر عن الدين والجنس واللغة بالإضافة الى حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.  وعندما صدر الدستور المصري عام 1923، نصت مادته الأولى على أن "مصر دولة ذات سيادة", ونصت المادة 12 على أن "حرية الاعتقاد مطلقة" ونصت المادة 14 على أن "حرية الرأي مكفولة". كما جاء بالمادة 23 أن "جميع السلطات مصدرها الأمة" و أن "المصريين لدى القانون سواء- وهو متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة- لاتمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين. وإليهم وحدهم يعهد بالوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية". وهكذا جاء الدستور المصري يجسد المكاسب الوطنية لثورة 19, ويكرس نجاح الكنيسة القبطية في تربية وجدان المنتمين إليها ليشاركوا في حركة بلادهم الوطنية والدستورية.

التعليقات