مصر الكبرى

09:04 صباحًا EET

انتخابات الرئاسة تعيد فصل الوجهين في مصر

بعد خمسة آلاف عام من وحدة الأرضين في عصر الملك مينا، أظهرت انتخابات الرئاسة الأخيرة عودة الوجهين في مصر إلى الانفصال. فبينما حصل محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان على الأغلبية في الصعيد، فقد حصل أحمد شفيق المرشح المستقل على الأغلبية في الوجه البحري. كما انقسم المصريون الحائرون مناصفة بين المرشحين، من يريد منهم الحفاظ على الدولة القومية القديمة ومن يخطط لبناء دولة جديدة تقوم على العقيدة. وفي ذات الوقت الذي انقسمت فيه البلاد جغرافيا، اختفت ثورة 25 يناير تماما من الشارع المصري، وانقسم شعب مصر إلى قسمين متساويين – قسم يؤيد جماعة الإخوان والآخر يفضل استمرار حكم ما يسمى بالفلول.

وكانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت قبل يومين من انتخابات الرئاسة، بعدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشعب واعتبرت أنه لم يعد قائما بقوة القانون. كما قضت المحكمة بعدم دستورية القانون الذي أصدره البرلمان المنحل والمعروف باسم «العزل السياسي». ثم أصدر المجلس العسكري إعلانا دستوريا يكمل الإعلان الذي أصدره سابقا، ليجري العمل به حتى يتم إعداد الدستور وتجري انتخاب البرلمان الجديد على أساسه.
إلا أن جماعة الإخوان المسلمين التي تسببت في منع كتابة الدستور حتى الآن، سارعت برفض قرار المحكمة الدستورية وأصرت على بقاء البرلمان المنحل، كما رفضت الإعلان الدستوري الجديد الذي يعطي المجلس العسكري سلطة مراقبة بعض القوانين مؤقتا. واحتج الإخوان بأن الإعلان الدستوري المكمل يخالف ما جاء في الإعلان الأول الذي صدر نتيجة استفتاء شعبي في 19 مارس (آذار) 2011. إلا أن هذا الإدعاء يخالف الحقيقة تماما، حيث لم يصدر المجلس العسكري الإعلان الدستوري إلا في 30 مارس بعد أحد عشر يوما من الاستفتاء دون استطلاع رأي الجماهير. بل إن المجلس أصدر بعد ذلك تعديلا على الإعلان الدستوري بناء على طلب الإخوان أنفسهم في 25 سبتمبر (أيلول) 2011، لزيادة نسبة القوائم في انتخابات البرلمان عن نسبة الفردي، وهو ما تسبب مؤخرا في قضاء المحكمة الدستورية بحل البرلمان.
ورغم أنه من المفهوم أن يحاول الإخوان فرض سيطرتهم على البرلمان والحكومة والرئاسة والجيش، فهذا هو برنامجهم وهذه هي طموحاتهم، فإن الغريب حقا هو أن يعترض بعض الليبراليين كذلك على الإعلان الدستوري الجديد. فقد اعتبر محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو حمزاوي ووحيد عبد المجيد أن هذا الإعلان نكسة للثورة.
وبما أن مفهوم الثورة التي يتحدثون عنها لم يعد واضحا الآن – هل هي ثورة الإخوان المسلمين على الدولة المدنية أم ثورة الليبراليين على الحكم الشمولي – فما الذي يخشاه هؤلاء الذين يتحدثون باسم الثورة من الإعلان الجديد. ورغم أن هذا الإعلان الدستوري يعطي الرئيس الجديد حق السيطرة على السلطة التنفيذية، فإنه احتفظ للمجلس العسكري ببعض الصلاحيات وأهمها اثنتان:
– في حال عدم اتفاق القوى السياسية على طبيعة الدستور الجديد، يحق للمجلس العسكري اختيار لجنة تضم سائر طوائف المجتمع المصري بشكل متساو لكتابة الدستور. كما رفع الإعلان نسبة الأصوات المطلوبة داخل الجمعية التأسيسية للموافقة على مواد الدستور إلى 80 في المائة بدلا من 57 في المائة، حتى يضمن توافقا شعبيا أكبر كما هي العادة في جميع الدساتير.
– إلى أن يتم كتابة الدستور وانتخاب البرلمان الجديد، يحتفظ المجلس الأعلى للقوات المسلحة ببعض صلاحياته التشريعية – خاصة فيما يتعلق بنظام القوات المسلحة – ولا يكون للرئيس إعلان الحرب دون موافقته. يتضح من هذا أن الإعلان الدستوري يحاول منع كتابة دستور تسيطر عليه جماعة الإخوان، لإلغاء الدولية المدنية وإقامة دولة دينية. كما يمنع الرئيس المقبل من توريط مصر في حرب جديدة لا تريدها ولا هي مستعدة لها. فما الذي يغضب البرادعي وصباحي في وجود هذه القيود إلى أن يتم انتخاب برلمان يكون هو صاحب القرار في هذه المسائل الجوهرية في مصير المصريين؟ فليس سرا أن الإخوان يخططون لإعلان دولة الخلافة في مصر عن طريق سيطرتهم على لجنة الدستور، كما أن طبول الحرب قد بدأت تدق بالفعل منذ أعلنت الجماعة فوز مرشحها للرئاسة. فقد قامت حماس بمهاجمة الأراضي الإسرائيلية من سيناء المصرية، وعندما ردت إسرائيل بمهاجمة غزة، طلب إسماعيل هنية رئيس حكومة حماس الإخوانية من رئيس مصر الجديد حماية غزة والتصدي للهجمات الإسرائيلية، أي إعلان الحرب على إسرائيل.
وفي وقت أصبحت فيه الجماعات التي تسمي نفسها 6 أبريل واتحاد شباب الثورة، بمثابة فصائل لجماعة الإخوان تتلقى تعليماتها من المرشد العام، اختفى صوت المثقفين والليبراليين ودخلت مصر في صراع مصيري بين مؤيدي الدولة المدنية ودعاة الدولة الدينية. فما الذي حدث في أرض الكنانة وأين ذهب أحفاد محمد عبده وسعد زغلول ومكرم عبيد؟!

التعليقات