مصر الكبرى

07:06 مساءً EET

أبي فوق «الثورة»!

الشرعية هي أساس جدارة الثورات، الثورات التي ترسم ملامح شرعيتها خطا صريحا على الرمال يفصل فيه بين مرحلتين صريحتين كالفصل بين الليل والنهار والأبيض والأسود لا مجال للون الرمادي بينهما.
وهو لب الحديث المؤجج في مصر اليوم عن شرعية الرئيس المقبل.. هل هو من المؤسسة العسكرية الضامنة للاستقرار والحامية للثورة، أم هو من الميدان والجيل الجديد غير الملوث بالحكم القديم، أم أنه من التيار الديني الذي يعتمد على ما يفهمه هو أنه أحكام الله على العباد، وبالتالي يجب اتباعه بلا شك؟

عندما قامت ثورة 23 يوليو عن طريق الانقلاب العسكري قالت للناس إنها أتت لحماية الشعب ومنع الفساد ووضع حد للانتهازية، هذا هو «الخط» الفاصل الذي روج إليه وقتها لإيجاد الشرعية المطلوبة لها لأجل ضمان استمرارها.
ولكن هذه الشرعية نسفت تماما بعد هزيمة 1967 النكراء التي كشفت فساد النظام وتسلطه وجبروته وقمعه، وجاء بعده أنور السادات مدركا لتلك المسألة وأزال ظاهريا الرموز الشخصية ورموز التسلط والاستبداد والذين أطلق عليهم «مراكز القوى».
وبعد تخلصه منهم في ما أطلق عليه مجازا لفظ «ثورة مايو التصحيحية»، وذلك لتكون للسادات هو الآخر «ثورته»، تفرغ لإدارة معركة الحرب وأعد العدة لها ونجح في تكوين «شرعية جديدة» هي شرعية «جيل أكتوبر» بدلا من شرعية الثورة الأولى، وجاء بشخصية مغمورة ولكنها من «نجوم» حرب أكتوبر (تشرين الأول) أو الشرعية الجديدة، إنه محمد حسني مبارك، وزج به في منصب حساس جدا وهو نائب رئيس الجمهورية، وكان حادثا صادما تأثر به اعتراضا الأحياء من مجلس قيادة الثورة التأسيسي وأبرزهم حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية الأسبق الذي كان يرى نفسه أجدر وأحق بهذا المنصب.
حتى حسني مبارك نفسه حين استدعائه لمقابلة أنور السادات قيل له إنه سيحصل على منصب جديد، ولم يكن يتوقع أنه سيترشح لمنصب نائب الرئيس، بل اعتقد أن المنصب سيكون رئيس شركة «مصر للطيران» التي كان دوما يرأسها شخصية من جهاز الطيران العسكري المصري.
وحدثت واقعة مهمة للسادات وهو يلقي خطابا جماهيريا مهما، حيث قام شاب من الحضور يقاطع الرئيس ويسأله بثقة وقوة عن قراراته السابقة ويلفت نظره إلى وجود بطانة تضلله ولا توصل إليه الحقائق والصورة الكاملة فتأتي سياساته وقراراته ناقصة وغير مفيدة للشعب، وثار السادات وهاج وعلق قائلا إنه لا يقبل أن يهان رب الأسرة وكبيرها، لأن السادات كان دوما ما يحب أن يوصف بكبير العائلة وأن الشعب هم أولاده.
هذا الشاب الذي قاطعه هو عبد المنعم أبو الفتوح مرشح الرئاسة المصرية اليوم، وهو بحسب البعض وضع حدا فاصلا لشرعية الثورة حينما قال قولته أمام السادات وقتها ليضع خطا فاصلا بين فساد النظام وحاشيته ورغبات الشعب وطموحاته، وهي مسألة فطن إليها في بدايات عهده حسني مبارك إلا أنه سرعان ما غرق وبسرعة في نفس أوحال البطانة الفاسدة، وكان عهده في سنواته الأخيرة مثالا صارخا على تمادي الفساد وجبروت السلطة والعناصر المضللة فيها والتي تحول الدولة سريعا من دولة يانعة وناجحة إلى دولة رخوة وفاشلة.
اليوم الثورة المصرية في انتخاباتها الرئاسية المقبلة ستبحث عن شرعية الثورة وليس فقط عن رئيسها المقبل، وهذا هو لب القصيد وبيته!.. مصر بحاجة إلى رب بيت جديد يقدر الثورة ويحترم الشعب.

التعليقات