كتاب 11

07:57 صباحًا EET

الأمية وتسخين مياه المحيط

في الحرب العالمية الثانية، وعلى مستوى المعارك البحرية، أخذت الغواصات الألمانية تفتك بالسفن الإنجليزية، مما سبَّب للإنجليز خسائر مروعة.

وأرسل المواطنون اقتراحات كثيرة لوزارة الحرب البريطانية. إحدى هذه الأفكار قال صاحبها إن الطريقة الوحيدة للقضاء على هذه الغواصات هي إرغامها على الصعود إلى سطح المياه، عند ذلك يتم ضربها بالطيران وبالمدمرات. أما كيف يتم إرغامها على الصعود إلى سطح البحر، فقد اقترح سيادته تسخين مياه المحيط إلى حد الغليان، فتعجز الغواصات عن البقاء في أعماق البحار من شدة الحرارة وتضطر للصعود طلبا للهواء البارد. واستدعى المسؤولون صاحب الاقتراح وسألوه: الفكرة عظيمة لم يفكر فيها أحد من قبل.. ولكن السؤال هو: كيف سنقوم بتسخين مياه البحار والمحيطات..؟

فأجاب: هذه تفاصيل ستجدون حلولا لها بسهولة، المهم هو الفكرة الأساسية.

النكتة هنا تكشف عن خطورة الأفكار المبهرة العاجزة بطبيعتها عن التحول لشيء حقيقي على الأرض. إنها ببساطة الأفكار غير العملية التي تضيع الحكومات وقتها وأموال شعوبها لتحويلها لواقع، والمؤكد أنها ستفشل في ذلك. لقد عاشرت عشرات الأفكار من هذا النوع المبهر، وخبرت خيبة الألم التي تتخلف عنها. وإذا كان ما حكيته لك نكتة، فإن ما سأحكيه لك الآن ليس نكتة بل مشروع جديد لمحو الأمية في مصر. فبعد عشرات الأعوام من محاولات محو الأمية التي نتج عنها زيادتها، ظهرت فكرة جديدة عبقرية ستمحوها بشكل مؤكد وبضربة واحدة. وزارة التربية والتعليم في حاجة إلى ثلاثين ألف مدرس. ولقد تقدم لها بالفعل هذا العدد، وهنا تبدأ الفكرة العبقرية، سيتم إلحاقهم بالوزارة ولكن لن تصدر لهم قرارات تعيين إلا بعد أن يثبت كل منهم أنه قام بمحو أمية عشرة أشخاص. يا لعبقرية الفكرة غير القابلة للتنفيذ.

أين سيقوم بتعليمهم؟ هل هو من سيقوم باختيارهم؟ هل سيقوم بتعليمهم في بيوتهم وأماكن عملهم لكي يضمن وجودهم؟ هل ينتظر المشروع وتنتظر قرارات تعيينهم أيضا إلى أن تنتهي الوزارة من عمل مبانٍ خاصة في كل قرية وكل مدينة تخصصها لمحو الأمية؟ هل ستخصص لهم إدارة جديدة أم يتطلب الأمر لأهميته الشديدة إنشاء وزارة جديدة؟ وماذا عن الميزانية المطلوبة؟

فلتكن إدارة أو وزارة أو هيئة أو مؤسسة.. كيف سنتأكد من أن فلان الفلاني قام بمحو أمية عشرة أشخاص؟ هل سنقوم بإجراء امتحان لهم؟ وماذا عن الدروب والمسالك الخفية؟ كيف نتأكد أن هؤلاء الأشخاص كانوا أميين أصلا؟ هل المطلوب أن نجري اختبارا لهم قبل محو أميتهم ثم بعده؟ أم أننا سنكتفي بإقرار من المدرس؟

المشكلة الحقيقية هي في طريقة التفكير التي تكره وتتنكر للجهد الشاق. أسوأ شيء في الدنيا هو أن تتصور أنه من الممكن حل مشكلة ما «بالحداقة والفهلوة».. ومن ذلك أن تتعامل مع الآخرين بوصفهم بشرا في حالة احتياج، وأنهم سينفذون لك طلباتك بدافع من عجزهم وقلة حيلتهم.. الأمية شيء وتعيين هؤلاء المدرسين شيء آخر. في اللحظة التي تؤمن فيها الدولة بخطورة الأمية على البلاد، وأنهم في نهاية الأمر سيشكلون رصيدا للداعشية، عندها ستحارب الدولة الأمية وتقضي عليها فعلا في زمن وجيز.

التعليقات