كتاب 11

11:01 صباحًا EET

صباح الخير أيها المسرح

إعلان في التلفزيون عن عرض مسرحي كوميدي جديد يقدم في مدينة الرياض، وفي عدد من المدن الأخرى. وكأني كنت أقود سيارتي في طريق صحراوي لا ملامح له، ثم فوجئت بمقهى أشبه بالواحة، أو ربما كان هو الواحة.

فقررت على الفور التوقف والجلوس إلى هذا المقهى والحديث مع أهله، أهل المسرح لأنهم أيضا أهلي. ليس الهدف من حديثي معكم يا زملاء، أن أنقل لكم خبرتي في المسرح فلكل جيل خبراته وتجاربه، أنا فقط تعبت من الحديث في الهم العام وأبحث عمن أتحدث إليه عن المهنة. فحديثها جميل ومفرح ومفيد أيضا.

المسرح بوجه عام هو أهم منابع البهجة وأهم عوامل الوحدة الوطنية. وهو ليس وسيلة تسلية بالمعنى المتعارف عليه. أي أن وقتك لا يضيع فيه، فكل لحظة أثناء العرض المسرحي تحمل لك متعة وخبرة جديدة مغلفة بالفرحة.

في قاعة المسرح أنت لست وحدك، الآخر بجوارك، أنت جزء من الجماعة، لذلك لن يوجد على الأرض ما يغريك بالخروج عليها. هناك وحدة في الاستجابة لمشاهد العرض المسرحي. تضحكون في وقت واحد ويستولى عليكم الإحساس بالضيق في وقت واحد. أنت لست وحدك، أنت جزء من جماعة، هذه الجماعة هي أهل بلدك، وهي أيضا بقية البشر في بلاد العالم.

جميل.. لنتكلم على الكوميديا. دعني أقول لك، احترس من الفهم الشائع للكوميديا، وهو أنها مختصة فقط بإنتاج الضحك، وأن من يقدمونها هم بشر خفيفو الدم. قادرون على القيام بحركات مضحكة. أرجو ألا تفاجأ عندما أقول لك إن كل العاملين في حقل الكوميديا من مؤلفين ومخرجين وممثلين هم جميعا شخصيات اكتئابية «Depressive»، ليس معنى ذلك أنهم مصابون بالاكتئاب، ولكن من المؤكد أنهم أسرع الناس في الإصابة به. ولذلك يفاجأ الناس الذين يلتقون بالكوميديان بعيدا عن المسرح والشاشة، بأن دمه ثقيل. الواقع أن الفكاهة صناعة لا يقبل عليها ولا يجيدها إلا هؤلاء الذين استغرقهم الهم العام.

الكوميديا ليست مسؤولة عن صنع الضحك. هي مسؤولة عن الكشف عن عيوب البشر على مستوى الأفراد أو الجماعات. وهنا يكون الضحك نتاجا جانبيا لها وليس الهدف منها. إن المخرج أو الممثل الذي يتصور أنه لا بد أن يضحك الناس مع كل حركة وكل كلمة، هو شخص مسكين عاجز عن الخروج عن شخصية عبيط القرية. هنا يحدث الخلط الرديء بين الكوميديا كفن رفيع وبين التهريج منعدم الصلة بفن المسرح.

أنت في بداية الأمر ونهايته ممثل مسرحي، مهمتك هي أن تلعب دورك باندماج شديد، أن تتوحد بالشخصية التي تلعبها. واحذر أن يلاحظ المتفرج أنك تحاول إضحاكه بحركة مبالغ فيها أو بنطق ممطوط لكلمة، عندها تتولد بداخله رغبة فورية في مقاومتك. كن نفسك، لا تستجدي الضحك من أحد، لو أن بناء العمل المسرحي، وبناء المشهد، قادران على تفجير الضحك فسوف ينفجر المتفرجون في الضحك عندما تكون جادا في أدائك للمشهد.

الفن المسرحي بوجه عام هو عمل جاد، والكوميديا هي الأكثر جدا بين كل أنواع المسرح. إذا كنت تريد أن تكون كوميديانا ممتازا فكن جادا، ولا تنس أنك أساسا ممثل مسرحي.

التعليقات