مصر الكبرى

03:09 مساءً EET

المجني عليه دومًا هو القاريء: الذين يكتبون.. والذين يستكتبونهم

الصحافة المصرية مأزومة، حقيقة لا يجادلنا فيها إلا المترفون الذين لا يعلمون أن الأموال تصنع صحافة وتفرضها بتكاليف باهظة لا يقدر عليها من يرغبون في تقديم صحافة حقيقية تبحث وتجتهد من أجل تقديم الحقيقة لقاريء محترم لا يقبل الغواية المكتوبة بتوجيه من رجالات الحكم وأصحاب النفوذ والسلطة والمال.

إذن الظروف المادية ذهبت بالصحافة في اتجاه يماثل اللواط في قذارته، أو بالأحرى شكَّلت تلك الظروف من بعض القائمين على تلك الصحافة رهطا من القوادين الذين يعرضون حرمة الكتابة لمن ينتهكها بأجر، وتحويل الصحافة، تلك المهنة العظيمة ذات التاريخ الناصع والتي قامت على عاتق أساتذة عظام إلى عاهرة تتعرى أكثر كلما كان المستأجر سخيًا، وحسب مقدار نفوذ وسلطة هذا المستأجر، صحافة تدافع بأجر وتدين بأجر، وتتجاهل شخصيات وحقائق لحساب آخرين، وتلفق وتتحمس لصالح من يفتح جيوبه وخزائنه.
ورغم كل هذا الغثاء إلا أن مصر المحروسة لديها من الصحفيين والكتاب الشرفاء من يستطيعون تصدير الحقائق على مدار الساعة، يكتبون بتوجيه من ضمائرهم، ولم تستطع الظروف الصعبة التي تطرقنا إليها سلفًا أن ترغمهم على التدني بالمهنة التي لها من القدسية ما يجعلهم يستشعرون حرمة الابتذال وجرائم التشهير وسياسة التجريس، أو حتى المديح في شخص لا يستحق، وقد عاينت ذلك بنفسي حين كان الكثير من المواطنين يعربون عن سخطهم البالغ أمام ما تبثه صحيفة ما – على سبيل المثال – تكيل المديح لمسئول كره الناس أفعاله وأقواله، وكأن الصحافة تزيد من جراح الناس الذين لا يملكون سلطة ولا يحملون أقلامًا، وسيبقى دومًا الكاتب والصحفي المصري رمزًا للصحافة الجادة المستنيرة، رغم هؤلاء الذين يخلطون بين الصحافة والقوادة.
وعلى صعيد آخر، في عهد المخلوع اشتد الهجوم من قبل أعداء الصحافة الذين يتهمون الصحافة صباح مساء بأنها سبب سوء سمعتهم، وتكدير صفوهم، وأفرط هؤلاء في استخدام مصطلح "الصحافة الصفراء" الذي تعلموه للأسف من صحفيين اعتادوا أن ينعتوا الصحافة التي تختلف معهم بتلك الصفة الوافدة التي لا محل لها من الإعراب، وما تعاينه الصحافة المصرية تراه الصحافة في كل دول العالم، ولا يغيب عن أحد أن الهجوم دومًا يطال الصحافة المستقلة والخاصة، ويتناسى هؤلاء أن الصحافة في الأسس ولدت مستقلة خاصة، ولا ينبغي من الأساس أن تمتلك الدولة صحفًا تنفق عليها من أموال الناس، وتعود ريما لعادتها القديمة في عهد الإخوان من خلال صحافة وإعلام رسميين لا يخجلان من التدليس والنفاق والعبث.
وكثيرًا ما تكون الصحافة بريئة يتهمها الجناة، وينعتونها بالاصفرار، فهل الصحافة المستقلة وكذلك الفضائيات هي التي تركت شبابنا يستشهدون في الميادين من أجل مقاعد البرلمان الذي ولد مبتسرا ومات قبل يتمادى في البله المغولي؟!، وهل هي التي تحالفت مع مجلس طنطاوي لتصل لسدة الحكم؟!، وهل هي التي باعت حقوق جنودنا الذين ماتوا برصاص الغدر في رفح من أجل ثقافة الأهل العشيرة؟!، هل هي التي أفرجت عن القتلة والإرهابيين؟!، هل هي التي قالت أن "نعم" تعني الجنة ولا مفتاح النار والجحيم؟!، وهل هي التي أبقت على رجال العادلي ورقتهم لمناصب أعلى؟.
والصحافة الرسمية التي تشارك في عمليات الغسيل السياسي وتدشن صفحات في النفاق، وبأموال شعب تتضور قاعدته جوعًا وتعاني من أمراض عضال تسببت فيها سياسات خائبة للأسف لا يصفها أحد بالاصفرار ولا الاحمرار، رغم إنها أجيرة عند الشعب، تأكل من ماله وتتركه يجوع، تنعم بخيره وتتركه لعراء العوار السياسي محمومًا يصارع كل الفيروسات الاجتماعية والثقافية والسياسية صحافة تستحق الرجم، تستحق أن تترك أموال الشعب للشعب ليصنع بها ما ينفعه.
من يقف على هذه التفاصيل يقتنع في نهاية المطاف بأننا بصدد مهنة تصدعت وأصبحت بحاجة إلى إعادة بناء من جديد، وإن ما بدا شذوذًا في صحافة الغير بات قاعدة في صحافتنا، علمًا بأننا لا نستطيع أن نقارن الصحافة بين بلدين إلا إذا قارنا أوضاع السياسة والحريات العامة بينهما، هنا فقط نتعرف على أسباب الجرائم المرتكبة في الوسائط الإعلامية المصرية التي لا تخلو من إعلام مشرف وخلاَّق، ومازال لدينا من يعمل وفق شرف المهنة وأعرافها.
على صعيد آخر، تتملكني الحيرة حين أعاين صحيفة فأجدها خالية من الإعلانات – المصدر الرئيس لموارد أي صحيفة – رغم ذلك تعمل بشكل دوري، ولها هيئة عليا وهيئة معاونة وكتيبة من الإداريين والمحررين والمراسلين، ومصدر حيرتي سؤال مغرض يعتمل داخلي ومفاده: ما هي الموارد التي تعتمد عليها تلك الصحيفة وأخواتها؟، من أين لها بآلاف الجنيهات التي تخرج على شكل أجور وتكاليف تجهيزات وطباعة وخلافه؟!، أظن أن الإجابة على تلك الأسئلة تحمل في طياتها أسبابًا وجيهة لظهور صحافة بهذا السوء.
والصحفي الحقيقي هو الذي وجدت لديه الموهبة مصقولة بالتعليم والثقافة واجتاز مراحل العمل الصحفي ليصل لدرجة الصحفي الحقيقي، ولا علاقة بكونه نقابي أو لا فيما يخص الموهبة، فكم من المواهب خارج نطاق النقابة، وكم من عدماء الموهبة الذين لا يسطرون جملة صحيحة ويتسلحون بعضوية النقابة، وكأن تلك العضوية هي علامة الجودة، على الرغم من أن الدكتور طه حسين لم يكن نقابيًا، وكذلك توفيق الحكيم ويوسف إدريس وأنور السادات وغيرهم.
والسؤال الآن: كيف نحمي الصحافة من أبنائها؟، لنجيب عن هذا السؤال نشير إلى مشكلتها، فتكمن مشكلة الصحافة اليوم في: انعدام المهنية والبعد عن التخصص والمسئولية، مما يدفع البعض لاختراع الإثارة بأي شكل من الأشكال حتى لو كان ذلك على حساب أشخاص آخرين أو على حساب اقتصاد البلد أو حتى أمنه، وعدم وجود معايير أساسية للفصل بين مفهوم الانتقاد الوظيفي والمهني والتجني الشخصي، وأدوات للتعريف بمفهوم الإثارة والمبالغة، وتحديد الفوارق بين الإثارة الإيجابية التي هي من السمات الأساسية للعمل الصحفي والإثارة السلبية التي تتنافى مع القيم والأخلاق المهنية في العمل الصحفي.
لقد سمح الصحفيين لغيرهم بالتدخل في صميم عمل مهنتهم بعد أن تخلوا عن كثير من مباديء الصحافة، وحولوها لتجارة رابحة في المقام الأول والأخير، لدرجة أن عددا غير قليل من الصحفيين يمكن وصفهم بالصحفيين الملاكي، فهم يمدحون حين يقبضون، ويذمون حين ُيتجاهلون، يدلون برأيهم في كل موضوع وكأنهم الموسوعة، دون احترام للتخصص أو لدراسة ما سيتم أبداء الرأي فيه أو حتى الاعتذار للجهل بطبيعة الموضوع، فهناك خلل حقيقي في الصحافة، و الكثير لم يعد يشعر أن ما يكتب في الصحف أو ما ينتجه الصحفيين من أعمال تمت للصحافة بصلة، يشعرون معها – حقيقة – بالتربص، و العدوانية التي تصل لدرجة محاولة خطف وتضليل الرأي العام.
إن مهنة الصحافة، قد بدأت عوامل التصدع تضربها في مقتل وتسبب ذلك في فقدان الثقة في الصحافة، وبدأت نزعة الكره تطغى على البعض، و أصبح لكل صحفي مجموعة من المؤيدين ومجموعة من المعادين، كل حسب ميوله وانتمائاته، حتى انعدمت الثقة تمامًا بين القاريء والصحفي من جهة، وبين الصحفي والصحفي من جهة أخرى.
علاوة على بروز دور الإعلام الإلكتروني الذي سمح للجميع بالحديث والتناول والتعاطي وساعد على تهميش الصحافة المطبوعة، إضافة لكثرة المحطات وبرامجها الإعلامية والتي تعتمد على المواهب الصحفية من مختلف التيارات.
كذلك وجود فساد إداري واستغلال رؤساء مجالس الإدارات لها، و الهيمنة الحزبية على بعض الصحف، وإضافة لوجود صحافة بنكهة الإخوان المسلمين، وصحافة رائحتها بنفاذ روائح مشتقات البترول الخليجية، وهكذا.
كل ذلك رسخ لدى القاريء أن الصحافة تخلت عن دورها الحيادي في إلقاء الضوء على الخبر والحادث فعلاً، وبدلت أسلوب عملها لصناعة الخبر وفبركته والاعتماد على نوعية من الأدلة التي لا يعتد بها – كشهود العيان مثلاً – الذين يدلون بشهادة تتفق ووجهة نظرهم، ونجد على الساحة الآن صحفًا تتخذ الإثارة والتهويل مبدءًا، وتشجع على الاحتقان والإثارة وتقود في النهاية إلى المواجهة، وأخرى تتولى مهمة نشر وجهة نظر أحادية دون منطق أو تحليل، وصحف حملت لواء النزول للأدنى، استجابة لرغبات وشهوات البعض، وأصبح مبدأ الارتقاء المهني لديها حبيس الأدراج، وفق معادلة كمية التوزيع تساوى فرص البقاء، وحتى تلك التي نجت من محاولات التلوين أصابها مرض الحياد السلبي بعد تضاءل دورها، وأصبحت بمعزل عن التأثير والاستقلالية.
إن للصحافة دور هام في نقل وتوصيل المعلومة وتسليط الضوء على الحدث ليشعر معه القاريء بالأمن والثقة، بدلا من الشعور بالعزلة واليأس، وتبرز ضرورة وجود صحافة مهنية محترمة ومسئولة تتمتع بحرية مقننة بقانون الدولة وأخلاق وأعراف المجتمع حتى لا يصل الحد بتلك الحرية للاعتداء على الآخرين والتجريح، لكن الانتقاد والتقييم الموضوعي لأداء المسئولين وتوضيح المآخذ عليهم للرأي العام وإبراز احتياجات وآمال وتطلعات المجتمع، ونحن في مصر إذا كنا نهدف لبناء مجتمعًا قويًا مستنيرًا، علينا أن نحترم الرأي الآخر وألاّ نعمل على وأده، ويؤكد على تلك الضرورة تلك المسئولية الملقاة على عاتق الصحافة بحماية المجتمع من الانتهازيين والفوضويين من خلال الموضوعية، وتوخي الدقة، والانحياز لمصالح الوطن والمواطنين.
الغريب في الأمر أن بعض الصحافة – وعلى رأسها الصحف الرسمية – بعد ثورة يناير انقسمت إلى صحافة تسبح بحمد المجلس العسكري وأقعدته في مقعد المخلوع، وتحاول أن تقوم بعملية غسيل سمعة فصارت أضحوكة ومسخرة بفعل التحول من النقيض إلى النقيض، وباتت تبريء المجلس من دم الشهداء في شوارع المحروسة، ومن صور السحل والتعذيب والتنكيل، وبعد جلاء مجلس طنطاوي كنا على موعد مع المتحولين مرة أخرى، أظهرت مرسي وجماعته بهيئة لا تختلف كثيرا عن هيئة المخلوع وحاشيته.
وما نؤكد عليه أ؟ن لدينا صحافة أخرى مستقلة تعمل بقواعد مهنية لا غبار عليها، وما ذكرناه على الصحافة ينسحب كليا على الفضائيات.
لكن في الغالب الأعم تظل الصحافة هي البريئة التي يتهمها الجناة.

التعليقات